أبي حيان الأندلسي
518
البحر المحيط في التفسير
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ « 1 » : إن محمدا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت ، ويخوّفنا بالبعث ، واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ، ولا نبعث . فقال اللّه : قُلْ يا محمد بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ « 2 » ، قاله مقاتل ؛ وباقي السورة تهديد لهم وتخويف . ومن ذكر هذا السبب ، ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها . الْحَمْدُ لِلَّهِ : مستغرق لجميع المحامد . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ : ظاهره الاستغراق . ولما كانت نعمة الآخرة مخبرا بها ، غير مرئية لنا في الدنيا ، ذكرها ليقاس نعمها بنعم الدنيا ، قياس الغائب على الشاهد ، وإن اختلفا في الفضيلة والديمومة . وقيل : أل للعهد والإشارة إلى قوله : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ « 3 » ، أو إلى قوله : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ « 4 » . وقال الزمخشري : الفرق بين الحمدين وجوب الحمد في الدنيا ، لأنه على نعمه متفضل بها ، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة ، وهي الثواب . وحمد الآخرة ليس بواجب ، لأنه على نعمة واجبة الاتصال إلى مستحقها ، إنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم يلتذون به . انتهى ، وفيه بعض تلخيص . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ، من المياه . وقال الكلبي : من الأموات والدفائن . وَما يَخْرُجُ مِنْها ، من النبات . وقال الكلبي : من جواهر المعادن . وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ، من المطر والثلج والبرد والصاعقة والرزق والملك . وَما يَعْرُجُ فِيها ، من أعمال الخلق . وقال الكلبي : وما ينزل من الملائكة . وقيل : من الأقضية والأحوال والأدعية والأعمال . وقيل : من الأنعام والعطاء . وقرأ عليّ ، والسلمي : وما ينزل بضم الياء وفتح النون وشد الزاي ، أي اللّه تعالى . وبلى جواب للنفي السابق من قولهم لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ، أي بلى لتأتينكم . وقرأ الجمهور : لَتَأْتِيَنَّكُمْ بتاء التأنيث ، أي الساعة التي أنكرتم مجيئها . وقرأ طلق عن أشياخه بياء الغيبة ، أي ليأتينكم البعث ، لأنه مقصودهم من نفي الساعة أنهم لا يبعثون . وقال الزمخشري : أو على معنى الساعة ، أي اليوم ، أو على إسناده إلى اللّه على معنى ليأتينكم أمر عالم الغيب كقوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ « 5 » ، أي أمره . ويبعد أن يكون ضمير الساعة ، لأنه مذهوب به مذهب التذكير ، لا يكون إلا في الشعر ، نحو قوله : ولا أرض أبقل أبقالها
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 73 . ( 2 ) سورة التغابن : 64 / 7 . ( 3 ) سورة يونس : 10 / 10 . ( 4 ) سورة الزمر : 39 / 74 . ( 5 ) سورة الأنعام : 6 / 158 .